الشيخ محمد رشيد رضا

297

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قوله آنفا وله أقوال في ذلك أعم وأشمل نقلنا بعضها من قبل ، وغيره كثيرون لسنا نعني ببطلان التقليد ان كل مسلم يمكن ان يكون كمالك والشافعي في استنباط الاحكام الاجتهادية في أبواب الفقه كلها فينبغي له ذلك وانما نعني انه يجب على كل مسلم ان يتدبر القرآن ويهتدي به بحسب طاقته وانه لا يجوز لمسلم قط ان يهجره ويعرض عنه ، ولا أن يؤثر على ما يفهمه من هدايته كلام أحد من الناس لا مجتهدين ولا مقلدين ، فإنه لا حياة للمسلم في دينه الا بالقرآن ، ولا يوجد كتاب لإمام مجتهد ، ولا لمصنف مقلد ، يغني عن تدبر كتاب اللّه في إشعار القلوب عظمة اللّه تعالى وخشيته وحبه والرجاء في رحمته والخوف من عقابه ، - ولا في تهذيب الاخلاق وتزكية الأنفس وتنزيهها عن الشرور والمفاسد ، وتشويقها إلى الخيرات والمصالح ، ورفعها عن سفساف الأمور إلى معاليها ، - ولا في الاعتبار بآيات اللّه في الآفاق ، وسننه في سير الاجتماع البشري وطبائع المخلوقات ، ولا في غير ذلك من ضروب الهداية التي امتاز بها على سائر الكتب الإلهية ، فكيف تغني عنه فيها المصنفات البشرية ، اما وسر القرآن لو أن المسلمين استقاموا على تدبر القرآن والاهتداء به في كل زمان ، لما فسدت أخلاقهم وآدابهم ، ولما ظلم واستبد حكامهم ، ولما زال ملكهم وسلطانهم ، ولما صاروا عالة في معايشهم وأسبابها على سواهم ، هذا التدبر والتذكر الذي نطالب به المسلمين آنا بعد آن ، كما هي سنة القرآن ، لا يمنع ان يختص أولو الامر منهم باستنباط الاحكام العامة في السياسة والقضاء والإدارة العامة ، وان يتبعهم سائر الأمة فيها ، فان اللّه سبحانه بعد أن أنكر على أولئك الفريق من الناس ترك تدبر القرآن ، انكر عليهم أيضا اذاعتهم بالأمور العامة المتعلقة بالأمن والخوف ، وهداهم إلى ردها إلى أولي الامر الذين هم أعلم بما ينبغي ان يعمل ، وأقدر على استنباط ما يجب ان يتبع ، فقال * * * ( 82 : 85 ) وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ